نشرة الذكاء الاصطناعي الأسبوعية – تقرير AI
الإصدار 66
مرحباً بكم!
لعلَّ الخطوةَ الصائبةَ للمضيِّ قُدُمًا تكمُنُ أحيانًا في التراجُعِ خُطوةً إلى الوراءِ.
فبينما نُتابعُ احتدامَ المنافسةِ في ميدانِ الذكاءِ الاصطناعي، تَواترَتْ أخبارٌ مُقلِقةٌ تُشيرُ إلى أنَّ سلبيات هذا المجالِ قد تَفُوقُ ـ بدرجةٍ غيرِ متكافئة ـ ما يُرتجى منه من منافع.
أولى هذه الأخبار ما نُقِلَ حديثًا عن عزمِ شركةِ مايكروسوفت التخلّي عن حصصِها في شركة «أوبن إيه آي»، وذلك على خلفيّةِ الدَّيْنِ الضَّخمِ الذي تعاني منه الشركة، والمُستحَقِّ لعددٍ من كبرياتِ شركاتِ التقنية، والذي تجاوز ـ على نحوٍ مُذهِل ـ التريليونَ دولار. أمّا الخبرُ الثاني، فكان مُتعلّقًا بشركة «أنثروبيك» ـ التي يُشارُ إليها بوصفِها من أكثرِ محرّكاتِ الذكاءِ الاصطناعي التزامًا بالأخلاقيات ـ إذ زُعِمَ أنَّها قامت بشراءِ آلافِ الكُتُب، ثمَّ مَسحِها ضوئيًّا وإدماجِها في نماذجِها دونَ استئذانٍ من مؤلِّفيها، بل وتشير ـ على نحوٍ يبعثُ على الدَّهشة ـ بأنَّ تلك الكُتُب أُحرِقَت لاحقًا لطمسِ أيِّ دليلٍ قد يقعُ في غيرِ الأيدي المقصودة.
أمّا الخبرُ الثالث فمقالٌ ذاعَ صيتُه عبرَ منصّة «تويتر»، وتلقَّفته وسائلُ إعلامٍ كُبرى، يَعرِضُ بالتفصيلِ كيفَ بات المطوّرون يُركِّزون على جعلِ أدواتِ الذكاءِ الاصطناعي بديلًا حقيقيًّا للمبرمجين، وأنَّ موجاتِ التسريحِ الجماعيِّ التي طالت هذه الفئةَ لن تلبثَ أن تمتدَّ إلى سائرِ قطاعاتِ سوقِ العمل. وتكمُنُ الإشكاليّةُ الجوهريّةُ هنا في أنَّ المُحرِّكَ الحقيقيَّ لأيِّ اقتصادٍ إنما هو الإنفاق. فإذا ما عمدت الشركاتُ إلى تعظيمِ أرباحِها عبرَ الاستغناءِ عن معظمِ موظّفيها وإحلالِ الذكاءِ الاصطناعي محلَّهم، فإنَّ أوَّلَ ما يَظهَرُ من الأزماتِ سيكون اقتصاديًّا بحتًا، ولن يقفَ أثرُه عند حدودِ التسريحِ الوظيفي، بل سيؤدّي كذلك إلى تَرَكُّزِ الدخلِ والثروةِ في أيدي قلّةٍ محدودة.
أمّا الإشكالُ الثاني فهو إشكالُ الاعتماديّة، وهو ـ في تقديري ـ كارثةٌ كامنةٌ تتفاقمُ بمرورِ الزمن. لقد لم يُفضِ اعتمادُ الإنسانِ على الحاسوبِ الشخصيِّ إلى تدميرِ قدراتِه الإدراكيّة أو مواهبِه العقليّة؛ بل ظللنا ـ بوصفِنا نوعًا بشريًّا ـ قادرين على إبرازِ عبقريّتِنا، مستفيدينَ من مُحرّكاتِ البحثِ في تسريعِ الوصولِ إلى المراجعِ وتجويدِه. غيرَ أنَّ الأمرَ مع الذكاءِ الاصطناعي أعمقُ غورًا، وأبعدُ أثرًا، وربما لن تتكشّفَ تبِعاتُه إلا بعد عقود. فإلى جانبِ ما بدأ باحثونَ في جامعاتِ «آيفي ليغ» برصدِه من تراجُعٍ إدراكيّ، نشهدُ اليومَ انتشارَ أدواتِ الذكاءِ الاصطناعي في المؤسّساتِ التعليميّة، واستخدامَ الطلّابِ لها على نحوٍ يُعيدُ تشكيلَ الخطابِ التعليميِّ برمّته. ولتجليةِ الصورة؛ نحن نبني مجتمعًا مُعتمِدًا على الذكاءِ الاصطناعي، قد يُصبِحُ مستقبلًا عاجزًا عن إدارةِ حياتِه دونَه. فالإنسانُ ـ بطبعِه ـ ميّالٌ إلى الأسهلِ والأكثرِ راحةً، أيًّا كان المجالُ الذي يَنفُذُ منه هذا التيسير. تأمَّل، هل يمكنُكَ تخيّلَ نفسَكَ تتجوّلُ في مدينةٍ مثل باريسَ مستعينًا بخريطةٍ ورقيّة بدلَ «غوغل مابس»؟ وهل كنتَ ستُحسِنُ استخدامها بالكفاءةِ نفسِها؟
نحن ـ في جوهرِ الأمر ـ نبني مجتمعًا يُجيدُ تشغيلَ الطيّارِ الآليِّ في الطائرة، دونَ أن يتعلّمَ كيفيّةَ قيادتها يدويًّا. فهل تأمَنُ طيّارًا على هذه الحال؟ بالطبعِ لا. فما العملُ إذن؟ وما السُّبُلُ المطروحةُ أمامنا؟
تتجاذبُ الساحةَ اليومَ مدرستانِ فكريّتانِ في كيفيّةِ توظيفِ الذكاءِ الاصطناعي:
الأولى: المدرسةُ الأميركيّةُ المؤسّسيّة، التي تُركِّزُ حاليًّا على بلوغِ ما يُعرَفُ بالذكاءِ الاصطناعيِّ العام (AGI)، أي توظيفِ الذكاءِ الاصطناعي في شتّى مناحي الحياة، بما في ذلك المهامُّ اليوميّةُ البسيطة. وقد أفضى هذا التوجّهُ الشاملُ إلى موجاتِ تسريحٍ واسعةٍ في شركاتِ التقنية. ويرى أنصارُ هذا المسارِ أنَّ الحلَّ يكمنُ في إقرارِ «دخلٍ أساسيٍّ عام» يُصرَفُ للعاطلينَ الذين فقدوا وظائفَهم لصالحِ الذكاءِ الاصطناعي.
الثانية: مدرسةُ الشركاتِ الصينيّة، التي انتهجت توظيفًا تخصّصيًّا موجَّهًا، فطبَّقتِ الذكاءَ الاصطناعيَّ في مجالاتٍ صناعيّةٍ بعينِها منذُ زمن، بما عزَّزَ الإنتاجيّةَ دونَ أن يُقصيَ اليدَ العاملةَ البشريّة. وجديرٌ بالتنبيهِ أنَّ العالمَ ظلَّ لعقودٍ ينظرُ إلى اليابان بوصفِها «كوكبَ اليابان» لفرطِ تقدّمِها التكنولوجي، ومع ذلك ظلّت مجتمعاتٌ كثيرةٌ حذِرةً، فلم تتبنَّ كلَّ تقنياتِها على عَواهنِها.
ما الذي أقترحه اليوم؟
بطبيعة الحال، تجنّبَ الذكاءِ الاصطناعيِّ كلّيًّا ليس نهجًا رشيدًا، غيرَ أنَّ قبولَه بتحفّظٍ ويقظةٍ هو المسلكُ الأقوم. ويعني ذلك عمليًّا أن نظلَّ دائمًا خُطوةً إلى الوراءِ، على النحوِ الذي انتهجتْه شركةُ «آبل» في قيادتها لجهودِها التقنيّة قياسًا بمنافسيها. ينبغي أن نتحقّقَ من أنَّ الإنسانيّةَ لا تقفُ على حافّةِ هاويةٍ تتعلّقُ بخيطٍ واهٍ. فلنكنْ مُراقبينَ بقدرِ ما نحنُ مُنفِّذون، نأخذُ ما نراهُ نافعًا، وندَعُ ما قد يُلحِقُ بنا الضَّررَ على المدى البعيد، خاصة تحصينُ مؤسّساتِنا التعليميّة من أي تغوّلٍ للتكنولوجيا قد لا يكون في مصلحة أجيال الغد.
-------------------------------------------------------------------------------------------
· نحاول بناء نشرة إخبارية مميزة، ونتطلع لدعمكم ليكبر جمهورنا الكريم! وندعوكم لنشر رابط الموقع لأصدقائكم ومعارفكم.
· هل أحببتم ما قرأتم؟ ما هي الموضوعات التي تتطلعون لمعرفة المزيد عنها في مجال الذكاء الاصطناعي، تواصلوا معنا عبر [email protected]
هذه النشرة تصدر عن موقع www.taqreerai.com الذي تشتركون فيه. لإلغاء الاشتراك، فضلاً التواصل معنا.
يحيى الفريح وأحمد صفا
0 comments